منير سلطان
169
إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة
الزمخشري تابعنا جهود المعتزلة منذ النظام إلى القاضي عبد الجبار ، وقد ند الأشاعرة عن الطريق فبرز منهم الباقلاني ، وقد قدم كلّ علم من هؤلاء الأفذاذ شيئا ذا بال في القضية ، وبذا تلونت بلون معتزلي يصحبه لون أشعري . وإذا وصلنا إلى الزمخشري وجدنا خلاصة الجهود السابقة ، أو قل ، ذروة الجهود السابقة وقد تحققت على يديه ، فما أكثر ما تمنى جيل الزمخشري أن يروا تفسيرا للقرآن الكريم فيه قبس من أفكار العلماء الجهابذة وخلاصة لآرائهم في الدفاع عن القرآن وقضاياه وفيه المنافحة عن إعجازه وبيانه أمام طعن الطاعنين . وكان الزمخشري المعتزلي ، الذي جمع فوعى ، وتأدب وتفقه ، فتصدى للقرآن الكريم ، وتحت إلحاح الملحّين أخرج كتابه « الكشّاف » ، وعنه قال المترجمون لحياته أنه : جار اللّه محمود بن عمر ، ولد بزمخشر من إقليم خوارزم الفارسي سنة 467 ه . حيث كان مذهب الاعتزال لا يزال مزدهرا ، فكان طبيعيا أن يعتنقه ، وقد أقبل على دراسة العلوم اللغوية والدينية ورحل كثيرا . فأقام ببغداد مرة وجاور بمكة طويلا ، وبها أملى تفسيره ( الكشاف ) وعاد إلى وطنه ، وتوفّى سنة 538 ه . وله تصانيف جليلة بجانب الكشاف من أهمها « المفصل » في النحو ، وقد عنى به من جاءوا بعده فشرحوه مرارا ، ومن تصانيفه « كتاب الفائق في غريب الحديث » وله معجم ( أساس البلاغة ) وكان كاتبا شاعرا له « أطواق الذهب » وديوان الشعر « 1 » . وقد أشرنا إلى منهج المعتزلة في تناول الأعجاز ، الذي يتمثل في هدم أقاويل
--> ( 1 ) انظر في ترجمة الزمخشري . السمعاني - الأنساب ورقة 277 ، ومعجم الأدباء 19 / 126 ، وروضات الجنات 681 ، واللباب في الأنساب 2 / 506 ، وأنباء الرواة 3 / 265 ، وابن كثير 12 / 219 . وتاريخ أبي الفداء 3 / 17 والسيوطي - طبقات المفسرين 41 ، وابن خلكان وفيات الأعيان 2 / 110 ط بولاق 1299 ه وغيرها .